السيد حيدر الآملي

559

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

العزم على الرجوع إلى المبدأ وغير ذلك ، وسيجئ بحث آدم عليه السّلام وأولاده ، وبحث الجنّة الصوريّة والمعنويّة في موضعه أكثر من ذلك إنشاء اللَّه ، فإن فيه اختلافات كثيرة ليس هذا موضعها ، لأنّ النّاس بعضهم ذهبوا إلى أنّ هذه الجنّة ليست الجنّة الموعودة في في الآخرة بل هي جنّة من جنّات الدّنيا ، وبعضهم إلى أنّ هذه الجنّة كانت الجنّة الأخرويّة وهي الآن موجودة ، وبعضهم إلى أنّها لو كانت الجنّة الأخرويّة لم يمكن إخراج أحد منها خصوصا النبيّ المعصوم لأنّ الإخراج من الجنّة الأخرويّة بعد الوصول فيها مستحيل بالاتّفاق وسيّما شهد القرآن بالخلود فيها ، والحقّ من هذا كلَّه أنّ الجنّة المذكورة هي الجنّة المعنويّة وخروجها منها كان كما قلنا بالتفاته إلى شجرة الوجود الحسّيّة ولذّاتها وشهواتها الَّتي هي عبارة عن التنزّل من العالم العلوي إلى العالم السفلي ، وقوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناه ُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ سورة التين : 4 - 5 ] . إشارة إلى هذا أي إلى أنّه خلقه أوّلا في أحسن الصورة من الصورة الرّوحانيّة وجعل مقامه ومنزله الجنّة المعنويّة الشهوديّة الفطريّة ومعلوم أنّ هذا هو أحسن تقويم وأعدل تعديل لكن صدر منه أفعال رديّة وأحوال غير مرضيّة فرددناه إلى أسفل عالم الطبيعة وأرذل مراتب الشهوات المعبّر عنه بالجحيم وجعلنا غذاؤه ولذّته إشارة إلى النوع الشامل لأولاده الَّتي هي الأشخاص فإنّ النّسيان مسلوب عن الأنبياء والرّسل عليهم السّلام بما قام على البراهين العقليّة والدّلائل النّقليّة وذلك العهد هو الَّذي قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ سورة الأعراف : 172 ] . لأن أولاده بأجمعهم ذكورا كان أو إناثا اقرّوا بذلك في الأزل وعند إيجاد الأرواح وأنكروا في الأبد وعند إيجاد الأجساد إلَّا القليل منهم لقوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سورة السبأ : 12 ] . فضمير النّسيان إليهم لا إلى آدم ، وكذلك فقدان من شجرة الزّقوم من النّزل